
Newspapers
Reviews![]()

النهار 18 شباط 2007- العدد 22921
القطاع الزراعي يحظى بـ0،5 في المئة من الموازنة و0،1 من تسليفات المصارف
"مؤسـسـة رنـيـه
مـعـوّض" أطـلـقـت ديـنـامـيـة لـتـنـمـيـة
مـسـتـدامـة لـلـزراعـة شـمـلـت زراعـات عـدة
نـتـائـج مـهـمـة عـلـى صـعـيـدي الـتـفـاح والـحـلـيـب والـزيـت الـلـبـنـانـي عـاد الـى
الأسـواق الـعـالـمـيـة
أسوأ ما قد يعانيه أي قطاع من القطاعات الاقتصادية
أن يكون ريعيا. فهذا المفهوم يؤدي حتما الى منع
تطويره ليصبح منتجا. والمؤسف أن الزراعة في لبنان لا تزال تعتبر حتى اليوم في مثابة قطاع ريعي، اذ يغيب عنه التطور التكنولوجي ويعتمد
المزارعون على دعم الدولة المباشر
وشرائها لقسم كبير من المنتجات حتى يتم تصريفها... مما ينتج قطاعا غير منتج. ازاء
هذا الواقع كانت مبادرات عدة لافتة، منها ما تقوم به "مؤسسة رنيه معوض" لناحية اطلاق حيوية زراعية تبشر بمواسم خير جديدة.
طوني أبي نجم
|
|
|
معمل متطور للألبان والأجبان. |
|
|
|
عناية تامة بأشجار التفاح. |
مشاكل القطاع الزراعي في لبنان أكثر من أن تحصى،
وتبدأ من العمل في الأرض ونوعية الانتاج وغياب التوعية
وطريقة رش المبيدات وأنواعها المستعملة، مرورا بعملية القطاف والتوضيب والتخزين،
وصولاً الى عملية التصريف. ومن المفارقات اللافتة أن نسبة مساهمة القطاع الزراعي
من مجمل الناتج المحلي في الدول المتطورة تتخطى في أحيان كثيرة نسبة 30 في
المئة، في حين لا تتجاوز النسبة 3 في المئة في لبنان في أحسن الأحوال، مع الاشارة
الى أن نسبة اللبنانيين الذين لا يزالون يعتمدون كليا أو جزئيا على القطاع الزراعي في معيشتهم تبلغ حوالى 20 في المئة يقابلهم 0،5 في
المئة من موازنة الدولة ضمن المنطق الريعي، ومع أقل من 0،1 في
المئة من تسليفات القطاع المصرفي. هذا الواقع
المعقد دفع بعدد من المؤسسات الاجتماعية الى الالتفات الى هذا القطاع في محاولة لمد يد العون الى المزارعين. ومن هذه المبادرات يمكن
اعتبار ما قامت وتقوم به "مؤسسة رنيه معوض" في
القطاع الزراعي اللبناني يتخطى إطار المبادرة ليتسم بصفة المشروع
الرائد والمتكامل في جوانب عدة لتأمين نهضة الزراعة اللبنانية وللمساهمة في إدخال بعض المنتجات الزراعية الى الأسواق العالمية.
قبل العام 1993 كان عمل "مؤسسة
رنيه معوّض" محصورا في تقديم مساعدات اجتماعية لبعض المحتاجين بقدر ما تسمح به الأوضاع المادية للمؤسسة. ونقطة التحول في العام 1993 تمثلت
بالقرار الجريء الذي اتخذته المؤسسة بالانتقال من منطق
المساعدات الى منطق التنمية الاقتصادية والاجتماعية
المستدامة. هكذا انطلقت برامج زراعية عدة بدءاً من الشمال، وباتت تعم اليوم مناطق
لبنانية عدة من الشمال وصولا الى عمق الجنوب في بنت جبيل ومرجعيون وحاصبيا.
ويشرح نائب رئيس مجلس ادارة المؤسسة ميشال
رنيه معوّض أن "كل البرامج التي أطلقتها
المؤسسة تمحورت حول 3 أسس: خفض كلفة الانتاج للمزارع، تحسين الانتاج وتطويره عبر
التدريب والارشاد وتحسين النوعية، والتسويق في الداخل وفي الأسواق الخارجية.
وهدفنا من هذه الأسس محاولة إيجاد حلول دائمة لعدد من المشاكل. ولذلك صرنا اليوم نتعامل مع أكثر من 4 آلاف عائلة زراعية بشكل دائم".
أول برنامج تنمية زراعية تناول
زراعة التفاح، حيث استثمرت "مؤسسة رنيه معوّض" في براد للتفاح يستعمل التقنيات الحديثة وطوّرت قدراته الاستيعابية ليستقبل أكثر من 130
ألف صندوق تفاح. ولتخفيف الكلفة للمزارع قدمت له التبريد بنصف
الكلفة المعروضة في السوق، مع إعطاء الأولوية بشكل
واضح لصغار المزارعين لتمكينهم من الثبات والاستمرارية. وكذلك عملت المؤسسة على تقديم الدعم في الفلاحة ورش المبيدات التي تم تقديمها
بسعر التكلفة.
ثم انتقل العمل الى تحسين نوعية الانتاج، بحيث
تم استقدام "طعوم" جديدة شملت تحسين أشجار
التفاح التي من المعروف ان انتاجها يخف بعد حوالى 50 عاما على زرعها. وهكذا فإن التركيز على أن يشمل التحسين والتطعيم بساتين مزارعي
التفاح ضمن برنامج تحويل تدريجي
للأشجار يمتد من 5 اى 8 سنوات بحيث لا يشعر المزارع بإرهاق نتيجة التكلفة، كما أن
مجمل انتاج بساتينه لا يخف بفعل العمل المنتظم لتحسين انتاجه الذي يشرف عليه 14
مهندسا زراعيا يعملون في المؤسسة، إضافة الى أكثر من 60 عاملا وموظفا دائمين في القطاع الزراعي في المؤسسة. هكذا تتم ادارة بستان المزارع
ضمن المشروع المذكور بإشراف كامل للاختصاصيين الذين
يشرفون أيضا على تدريب المزارعين وتوعيتهم على ملف
الأساليب الجديدة.
وبعد الانتهاء من العمل على البساتين كان لا بد من تحسين نوعية العمل على الفرز والتوضيب. ولهذه الغاية تم شراء آلة
الكترونية متطورة وحديثة لفرز و"عرب" التفاح بحسب
الوزن واللون بما يخدم تفعيل عملية التصدير الى الأسواق العربية
والأوروبية، بفعل الضمانة المقدمة على النوعية، فانتهى منطق "وجّ الصحارة" الذي
كان يسهم في تشويه صورة الانتاج الزراعي اللبناني. وهذا العمل الحديث جعل "مؤسسة إيدال" قي مشروعها للتصدير Export Plus تعتمد مركز "مؤسسة رنيه معوّض" لمناطق
شمال لبنان كمركز الزامي لمراقبة نوعية الانتاج المزمع تصديره. وهذا ما سمح، بفعل مراقبة النوعية، بتحسين الأسعار وتصريف الانتاج بسرعة. وتكثف
المؤسسة عملها عبر الندوات وحملات الارشاد الزراعي التي
تنظمها في عدد من المناطق الجبلية إضافة الى مشاريع تأهيل
برادات كما حصل في بلدة دوريس في البقاع.
|
|
|
مركز
"مؤسسة رنيه معوض" في الشمال. |
الحليب ... الى "المرج"
وكما في زراعة التفاح، فإن العمل في ميدان تطوير
صناعة الحليب لم يكن أقل شأنا. وكانت البداية مع إطلاق
برنامج لتشجيع المزارع على تربية الأبقار في مرحلة أولى عبر تأمين قروض ميسّرة
يسدّدها لاحقا من إنتاج الحليب ومشتقاته. فالمؤسسة تؤمّن القرض وتتعهد شراء الحليب من المزارعين. والتصريف يتم عبر معمل الألبان والأجبان
والبوظة الذي أنشأته لتصريف الانتاج باسم "المرج".
والعمل في المرحلة الثانية انتقل الى العمل على حليب الماعز
اضافة الى الأبقار بغية تطوير صناعة الجبنة الضرفية التي تشتهر بها بلدة إهدن.
ويشرح معوّض: "نساعد المزارع على شراء
نوعية مطوّرة من الماعز والأبقار بقروض
ميسّرة، ونشتري منهم إنتاجهم الذي يسددون بقسم منه قيمة قروضهم. وبفضل هذا
البرنامج صارت المؤسسة تنتج يوميا 8 أطنان من الحليب مصدرها أكثر من 100 مزارع. كما نجحنا في تأمين عمل رقابي صارم على الجودة والنوعية
المنتجة للحليب وطرق نقله وكل الوسائط الصحية
المطلوبة". وحتى يكتمل العمل في هذا القطاع كان لا بد من إنشاء
تعاونية زراعية لأصحاب الأبقار يتم من خلالها تأمين الأدوية البيطرية بنصف سعر
السوق، إذا ما أضيف الى شراء الحليب بسعر تشجيعي والى تأمين الخدمات اللوجستية عبر
المهندسين الزراعيين تكتمل صورة تنمية هذا القطاع.
زيت الزيتون في الأسواق العالمية
رغم كل ما تقدم يبقى العمل في موضوع زيت الزيتون
مصدر فخر واعتزاز لجميع اللبنانيين، إذ تمكنت
المؤسسة من إيصال الزيت اللبناني الى الأسواق العالمية بفضل تعاونها مع شركة Olivier & Co. الفرنسية التي تصدّر منتجات زيت الزيتون الى الأسواق العالمية كلها. ولهذا التعاون قصة طريفة. ففي منتصف التسعينات من
القرن الماضي دخلت الوزيرة نايلة معوّض الى أحد محال Olivier & Co في العاصمة الفرنسية ووجدت على
الرفوف منتجات زيت الزيتون من مصادر مختلفة من العالم، وخصوصاً من دول حوض البحر الأبيض المتوسط، وبمواصفات عدة. بحثت مليا ولم تجد أي زيت
مستورد من لبنان فتأثرت وطلبت مقابلة المسؤول، الذي أعطاها
وسيلة الاتصال بصاحب الشركة. وبالفعل اتصلت به
واتفقا على لقاء يجمعهما في زيارتها المقبلة الى باريس. وهكذا كان فسألته عن سبب تغييب زيت الزيتون اللبناني عن رفوف محاله، فجاء الجواب أنه
حاول أن يحصل على المنتجات اللبنانية ولكنها كانت دون
المواصفات العالمية لادخالها الى الأسواق الأوروبية
والأميركية. وشرح لها الأسباب بالتفصيل والآليات المطلوب احترامها في زراعة
الزيتون وقطافه وصولا الى مرحلة انتاج الزيت. فلم تعد معوّض أدراجها الا بعد أن
وقعت معه اتفاقا أرسل بموجبه السيد أوليفييه بوسان أحد أهم المتخصصين في زيت
الزيتون الى لبنان بتمويل من "مؤسسة رنيه معوّض" لتدريب مهندسين لبنانيين لتطوير الانتاج اللبناني فيغدو مطابقا للمواصفات العالمية.
واستغرق المشروع 3 أعوام، أجرى
خلالها دراسات معمقة في منطقة محددة من البترون لتحسين عملية الانتاج من الشجرة الى
طريقة القطف، ومن ثم نقل الزيتون الى المعصرة، وصولاً الى عملية العصر وتخزين
الزيت. وخلاصة هذه الدراسات كانت أن تمّ تصدير أول ليتر من زيت الزيتون اللبناني بعد 4 سنوات من الجهود الحثيثة ليتطابق مع المواصفات العالمية.
ونتيجة لهذا العمل أنشأت المؤسسة تعاونية
زراعية للزيتون في كفيفان-البترون تملك
احدى أحدث المعاصر في لبنان، وتضم أكثر من 600 مزارع.
أما اليوم وبعد سنوات على
الانجاز التاريخي بات زيت "مؤسسة رنيه معوّض" يصدّر كمية 100 ألف ليتر الى أكثر من 40 دولة حول العالم، والخطة الخمسية الموضوعة تلحظ
وجوب أن ترتفع الكمية الى 500 ألف ليتر في السنوات الخمس
المقبلة. هكذا تحوّلت مشكلة الزيت اللبناني من مشكلة
تصريف الى نقص في الانتاج، ولكن طبعا بحسب المواصفات المطلوبة. وهذا يتطلب عملا جبار يتركز على انشاء معاصر جديدة واعادة تأهيل المعاصر
القائمة وتطويرها بما يتلاءم ومعايير الأسواق العالمية،
إنشاء مراكز تجميع للزيت بما يسهّل على المزارعين تصريف
كميّات الزيت التي ينتجونها، كما يؤمن لهم تدريبهم على الوسائل الحديثة المتبعة في هذا القطاع. كما شمل عمل المؤسسة ترميم وتحديث عدد كبير
من المعاصر وصولا الى مناطق جنوبية مثل دير ميماس وقانا
وصفد البطيخ، ويتم شراء الزيت من مناطق لبنانية عدة
في جبل لبنان (الشوف) والجنوب (حاصبيا، مرجعيون، بنت جبيل والنبطية) إضافة الى
الشمال.
وبعدما كان الانتاج يصدّر الى الأسواق
العالمية عبر شركة Olivier & Co تسعى المؤسسة اليوم الى تطوير ماركة تضمن النوعية
وتدخل الأسواق العالمية بما يعود بالربح الكامل على
اللبنانيين.
مشاريع أخرى
كل ما تقدم يشكل غيضا من فيض عمل زراعي تقوم به
مؤسسة واحدة في لبنان، فتساهم بشكل فاعل في تحويل
الزراعة من قطاع ريعي يعتمد على دعم الدولة الى قطاع منتج يعود بالخير والربح على المزارعين والعاملين فيه. ولئن كانت الأمثلة تشمل التفاح
والحليب وزيت الزيتون، إلا أن المشاريع التي هي قيد العمل
أوسع بكثير وتشمل الزراعات العلفية في عكار حيث
باتت تزرع مساحة تبلغ حوالى 650 هكتارا كزاراعات بديلة عن زراعة البطاطا أو رديفة
لها، وتهدف الى خفض تكلفة العلف للماشية وتأمين قيمة غذائية أفضل بتكلفة أقل مما
يتم استيراده من الخارج. وهكذا أيضا يبرز المشتل العائد للمؤسسة والذي يضم كل
أنواع الشتول الحديثة: حوالي 40 ألف شتلة مثمرة و20 ألف شتلة حرجية يعرضها المشتل
على المزارعين بسعر التكلفة. وحاليا تم شراء آلة حديثة جدا لقطع الخضر وفرمها
وتوضيبها مع الابقاء على فوائدها الغذائية، وبدأ العمل لتزويد السوق اللبنانية بما تنتجه. وغير ذلك الكثير من المشاريع التي ساهم في
ولادتها تخطيط وعمل "مؤسسة رنيه معوض" للتنمية
الزراعية المستدامة وتمويل مؤسسات دولية كالاتحاد الأوروبي
والوكالة الأميركية للتنمية واسبانيا وايطاليا وغيرها من الجهات الممولة.
يبقى برنامج قطف التفاح والزيتون الذي أطلقته
المؤسسة بالتعاون مع مؤسسة الاسكان التعاوني
الأميركية و"الوكالة الأميركية للتنمية" اللتين ساهمتا في التمويل وجامعة الروح القدس-الكسليك التي قدمت المهندسين للمشروع.
هذا البرنامج الذي أطلق بعد حرب تموز
الصيف الماضي أثمر عن تأمين عمل موسمي لـ6172 شابا في قطف التفاح وساعد حوالى
2000 مزارع. أما في الزيتون فبلغ العدد حتى كتابة هذا التحقيق 1300 شاب وساعد ذلك حوالى 2000 مزارع.
ونص البرنامج على أن تقوم "مؤسسة رنيه معوّض" بتأمين شباب لبنانيين من المناطق والقرى ليعملوا في المواسم
الزراعية، فتكون النتيجة خفض تكلفة اليد
العاملة على المزارعين من خلال تقديم تكلفة اليد العاملة الى الشباب اللبنانيين
الذين أمنوا فرص عمل موسمية كانوا يتقاضون خلالها 25 الف ليرة لبنانية يوميا.
فجاءت المعادلة مربحة لجميع الأطراف.
مما تقدم يتضح أنه يمكن القطاع الزراعي
ألا يكون عبئا بعد اليوم، لا بل أن يتحوّل قطاعاً منتجاً متى وضعت الخطط والبرامج
المناسبة لتواكب الزراعة اللبنانية متطلبات العصر. فأرضنا أرض خيّرة، وهي تفيض بخيراتها علينا متى عرفنا قيمتها وتعاملنا معها بما تستحق.
فمتى نعود نؤمن بترابنا الذي تغنينا به على أنه
"أغلى من الذهب"؟
![]()