Newspapers Reviews

 

الأنوار في 06/05/2007

 

تحقيقات

المرافئ بحاجة الى تطوير والمعدات متخلفة وأساليب الصيد (متأخرة) !
صيادو السمك (وقعوا) في شبكة الفقر والحاجة والديون
والثروة البحرية تواجه خطر ... الاستيراد والانقراض

كتبت نهاد طوباليان:
الصيد وفير والعمل قليل... وما نفع أغنية (عندك بحرية يا ريس) والصياد البحري اللبناني غارق حتى أذنيه بالفقر المدقع، وبدلاً من ان تحوطه مياه البحر بالرزق، تزنره المشاكل من كل حدب وصوب... الصياد البحري، هذا المنسي في زمن الاقتصاد الصعب والظروف المعيشية، بدلاً من أن يصارع الموج العاتي بحثاً عن صيد ثمين من ثروة البحر، يقاتل من أجل البقاء، على جبهات عدة: مشاكله المزمنة المتمثلة بعدم وجود قانون صيد بحري عصري ينظم هذه المهنة ويحميه من مواجهة المنافسة المحلية، في مرافئ صيد بحرية تفتقر الى الحد الأدنى من مقومات هذه المهنة - باستثناء مرفأ الأوزاعي المؤهل حديثاً من دولة الإمارات العربية المتحدة وإضافة الى غيابه عن لائحة التقديمات الاجتماعية الأساسية كالضمان الصحي، تراه اليوم يبحث عن لقمة عيشه وفق محاذير أمنية فرضتها ظروف ما بعد حرب اسرائيل على لبنان: حصار بحري. الصياد البحري اللبناني، يعيش حالياً مكبَّل اليدين في تنقلاته، في المدى الأزرق لمياه لبنان الإقليمية... ما يحوله دون تأمين الحد الأدنى من متطلبات عيشه الكريم، ما جعل شريحة كبيرة من المواطنين ترزح تحت عبء الهم الاجتماعي، وتنتظر ما يأتيها من مساعدات عينية من بعض المنظمات والمؤسسات المحلية والعالمية... وبدلاً من أن يكون قطاع الصيد البحري، واحداً من القطاعات المنتجة في لبنان، على غرار الدول البحرية، يبدو هذا القطاع الأكثر تهميشاً في بلد موقعه الجغرافي قابض على أهم واجهة بحرية على الأبيض المتوسط، ومرافئه ولا سيما تلك العائدة للصيد، تعتبر الأقدم على واجهة البحر الأبيض المتوسط. فماذا عن حال هذا القطاع وأهله?

 

 

وفق الامتداد الجغرافي للشاطئ اللبناني، يتواجد عليه ما يقارب الثلاثين مرفأ للصيد البحري، موزعة وفق الآتي:
محافظة الشمال من الحدود البحرية الشمالية اللبنانية - السورية، حتى البترون ينتشر تسعة مرافئ هي: العبدة، الميناء - طرابلس، القلمون، أنفه، شكا، سلعاتا، جبل الشقعة، كفرعبيدا والبترون.
محافظة بيروت وضاحيتاها الشمالية والجنوبية بدءاً من نهر الدامور، وصولاً الى نهر ابراهيم، يتواجد فيها 11 مرفأً هي: الأوزاعي، الدالية، المنارة، عين المريسة، الدورة، الضبية، جونيه، طبرجا، الصفرا، البوار والعقيبة.
محافظة الجنوب: وينتشر فيها ثمانية مرافئ هي: صيدا، الصرفند، السكسكية، عدلون، الغازية، صور، الناقورة والقليلة.
وبالمقابل، يبلغ عدد الصيادين في هذه المرافئ عشرة آلاف صياد، من بينهم 2870 صياداً في محافظة الشمال، و3505 صيادين في محافظة بيروت وضاحيتيها، و3625 صياداً في محافظة الجنوب، يعول غالبهم على حوالى 3500 قارب صيد تمخر عباب البحر، بحثاً عن صيد يُقال عنه في الأساس صيدا ثمينا، لكنه في واقع الحال لا يسدّ رمق الجوع والفقر المدقع الذي يغرق فيه الصياد البحري.
أوضاع المرافئ
وفي هذا الإطار، تكفي جولة ميدانية على بعض مرافئ الصيد اللبنانية، لتظهر صورة سوء حال الصيادين، حيث إن عوامل وأسباباً كثيرة غالبها مزمن، وبعضها مستجدّ بفعل حرب اسرائيل على لبنان، أسهمت في جعل شريحة من المواطنين من أصحاب المهن الحرة العيش تحت خط الفقر، مقابل الغياب شبه الكامل للدولة في رعاية هذا القطاع الحيوي من خلال الوزارتين المعنيتين: النقل والزراعة، إن لجهة وضع قانون للصيد، وإن لجهة تأهيل المرافئ والارتقاء بها الى مستوى المرافئ المنتجة ووضع روزنامة سمكية تحمي الانتاج المحلي.
والسؤال الذي يطرح اليوم: ما هو واقع حال الصيادين البحريين في لبنان?
معاناة صعبة
النقيب السابق لصيادي بيروت وممثل صيادي لبنان في الاتحاد الوطني العام لتعاونيات الصيادين جان شواح، وفيما حاطه مجموعة من الصيادين في مرفأ الدورة، غالبهم كان يطالبه بسلفة تراوح بين الألفي ليرة لشراء ربطة خبز و200 ألف ليرة لتصليح قارب معطل، علق: تسألني عن وضع الصياد. هذا هو، تصوري أنهم يستلفون يومياً، وكل ذلك بسبب الإهمال الذي يعانيه قطاع الصيد البحري في لبنان. إنهم شريحة واسعة من المجتمع وما من أحد يشعر بمعاناتهم.
وبعدما دبّر أمر الطلبات الملحة، وصف حال الصيادين بالقول: إن معاناة الصيادين في كل لبنان هي واحدة، وإن تفاوتت بعض أنواع المشاكل بين منطقة وأخرى، لكن المشكلة الأساسية هي واحدة: إهمال وعدم اهتمام الدولة بقطاع الصيد، والحكومات المتوالية والوزراء الذين توالوا على وزارتي النقل البحري والزراعة لم تجد حلاً لمشاكل هذا القطاع، من دون أن يعني ذلك، عدم احترامنا لوزراء فعلاً حاولوا مساعدتنا.
المشكلة الأساس التي ركز عليها شواح تتعلق بعدم وجود قانون للصيد البحري، إذ تساءل: كيف يمكن لقطاع يعمل فيه عشرات الآلاف من المواطنين من الاستمرار، في ظل عدم وجود قانون للصيد، فيما القانون المعمول به حالياً، يعود الى الانتداب الفرنسي الذي يرعى كيفية الحفاظ على البيئة البحرية والثروة السمكية. إنه قانون في ظل ما نفاجأ به من مشاريع تنفذ في بيروت، وعلى البحر بما فيها رمي النفايات فيه، يعي أهمية الحفاظ على بحرنا، وكأننا به ان الفرنسيين في زمن انتدابهم على لبنان أكثر وطنية ولبنانية منا نحن اللبنانيين، فيما الدولة بأجهزتها الأمنية والقضائية لم تتحرك لمعرفة ما يتعرض له البحر.
اختيار ممثل الصيادين في الاتحاد الوطني لتعاونيات الصيادين جان شواح بدأ حديثه عما يتعرض له البحر، لا ينطلق من خلفية موقع مرفأ الصيادين في الدورة قبالة جبل النفايات البحري، ذلك لأن مرفأ الدورة هو موقف العمال الذين يعملون في البحر، ومرفأ للانطلاق منه الى عرض البحر باتجاه شواطئ الدامور والجيه والروشة، وانطلياس وصولاً الى البوار لاصطياد السمك غير المتوفر في منطقة الدورة البحرية على اعتبار عدم وجود سمك فيها، بل للاشارة الى معاناة البحر من جراء ما يتعرض له من أذية تنعكس سلباً على الصياد وسمعة الشاطئ اللبناني.
لكن ذلك لا يمنع شواح من الاشارة الى أن لمرفأ الدورة أهمية في دورة صياد بيروت وضواحيها بشكل خاص، والصياد اللبناني بشكل عام. ومن هذا المنطلق، يرى أن الصياد في الدورة بحاجة الى مرفأ حضاري تتوافر فيه مقومات العمل من مياه وكهرباء وحراسة الى معالجة مياه الصرف الصحي عبر انشاء معامل التكرير ليشعر الصياد عندها أنه يعيش في بيئة انسانية، أقل ما قال فيها في وصفها بـ (البيئة الحيوانية)، ومتسائلاً في هذا السياق: متى ستتطلع الدولة الى بعض شرائح الشعب اللبناني الذي يعاني مثلنا المشاكل الحياتية والظروف الصعبة.
وعند سؤالنا عن موعد تأهيل مرفأ الدورة بعد الأوزاعي، علق شواح: جرى تأهيل مرفأ الأوزاعي لأن (السيدة) اسرائيل قصفته، ولو لم يقصف، أؤكد أنه كان بالامكان حصول بعض المبادرات الفردية من زعيم أو حزب أو نقابة لتحسينه بعض الشيء، أما الدولة فعلينا أن ننتظر ربما مئات السنين لتحظى مرافئ الصيد وليس فقط الدورة بتأهيل. وأتصور أن عدد الصيادين في بعض المرافئ يصلّون كي تقصفهم اسرائيل لتأتي دولة عربية أو خليجية أو أجنبية لتبني لهم مرافئ حضارية.
وبالانتقال الى وضع الصيادين في عرض البحر، وما اذا كانوا يعانون قبالة الدورة من حصار أمني، أوضح شواح أن هذا الوضع الأمني مستجدّ في الجنوب، فيما صيادو الدورة، المجال مفتوح أمامهم وفقاً للمدى العملاني للصيد. الصياد في بيروت وضواحيها اذا بلغ ميلين في البحر يصل الى الأعماق، بينما جغرافية البحر في أماكن أخرى مختلفة.
تضخيم إعلامي عاطل
وفي السؤال عما اذا كانت (غلّة) الصياد في محافظة بيروت كافية لاستمراره، يقول جان شواح: بعد القصف الاسرائيلي تعرض الصياد لنكسة أثرت سلباً على مردوده الاقتصادي. فإضافة الى خسائر الحرب، أسهمت وللأسف، الدعايات التي شارك في بثها الاعلامان الرسمي والخاص على الصيد، إذ جرى تضخيم لموضوع تلوث البحر من البقعة النفطية، وإذ رأى أن تضخيم هذه المسألة قد يكون له مبرره تضخيم المأساة لادانة اسرائيل وحثّ الدول المانحة للتبرع، خوفاً من وصول التلوث اليها، نسي المعنيون وفي مقدمهم وزارة البيئة ووزيرها، وجود آلاف العائلات التي (اخترب) بيتها من جراء هذه الدعاية، إذ بعدما أعرض المواطنون عن تناول السمك، انخفض مدخول الصياد خلال 72 ساعة فقط الى 75 بالماية، ولليوم الأمر مستمر. وعليه، فإن سعر كيلو السمك المحلي والطازج انخفض من عشرة آلاف الى خمسة آلاف ليرة والبيع قليل. وحالياً، برغم ارتفاع الأسعار بعض الشيء، فإن مستوى الطلب، كما الأسعار لا زال دون المطلوب وما كان قبل الاعتداء الاسرائيلي.
مما سبق من ظروف محيطة بمهنة الصيد البحري، يؤكد ممثل الصيادين في الاتحاد الوطني العام لتعاونيات الصيادين جان شواح أنه لا يمكنهم الاستمرار. ويعلق: لا يمكن للصياد الا أن يكون مديناً نظراً لارتفاع كلفة الانتاج، إذ إنَّ الصيد يتطلب صيانة القارب، محروقات، وعدة صيد من شباك وخيطان وصنانير. وهذه جميعها ارتفعت بنسبة 50 ومئة بالمئة فيما الانتاج - اي الصيد - انخفض، والنتيجة: صياد معدوم يعيش على الاستلاف.
أين الدولة من واقع الحال هذا? يجيب شواح: لا يمكن ان ننكر - خلال الحرب - ما قدمته الهيئة العليا للإغاثة، اذ قدمت لكل صياد مبلغ 400 دولار اميركي كبدل تعويض عن تعطيل العمل لفترة شهرين. وكنا نأمل ان تستمر التقديمات أقله لفترة خمسة اشهر تعطيل عن الأعمال، خصوصاً، وان معدات وعدة عمل الصياد والموجودة في البحر قد أتلفها التلوث النفطي بعدما مزّقت النفايات المرمية في عرض البحر الشباك.
وفيما كان شواح يسأل اين الدولة بعدما تعرض الصيادون لضربة كبيرة وقاسية، دخل صياد واستأذنه باستلاف مبلغ من المال لتصليح مركبه، ما جعله يتساءل: لمَ عليه ان يستدين? لمَ ليس لديه مئتا الف ليرة، وهو صاحب مصلحة وليس بحرياً عادياً، انه يطلب المبلغ امام الجميع من دون خجل، لأن (الاستلاف) بات امرا طبيعيا.
ولكن ألا يصطادون السمك حالياً? ومن يشتريه منكم? انهم يصطادون ويشتري الصيد تجار وزبائن عاديون عبر مزاد مفتوح. البيع من المنتج الى المستهلك مباشرة، لكن هذا لا يسمح للصياد بتأمين مردود مالي يسمح له بالاكتفاء الذاتي، نظراً لكلفة الانتاج، في مطلق الأحوال، ماذا ينفع لو كان الصيد وفيرا، ولا يوجد بالمقابل قانون للصيد، وقانون يحمي الانتاج المحلي من المضاربة عبر الاستيراد العشوائي وغير المنظم من قبل الدولة وفي ظل غياب روزنامة تحدد الصيد.
وهل من شأن وضع قانون للصيد يتزامن وتأهيل المرافئ يسهم في تعزيز مهنة الصيد ويكفي حاجة السوق المحلي، مع وضع حد للمضاربة الخارجية?
انها امنية ومشروع يجب ان يكونا متكاملين، يبادر شواح الى القول، ليضيف: المطلوب وضع برنامج لتحسين وضع الصياد، وقطاع الصيد البحري، على ان ينطلق من وضع وإصدار قانون صيد من شروطه الأساسية اخذ الدولة بالاعتبار ان الصياد الذي اعتاد الصيد بمعدات للأسف مخالفة للقانون - وضع برنامج زمني لوضع حد لاستعمال هذه المعدات، يهدف للوصول الى مرحلة يكون فيها قد ارتاح الصياد مادياً، بمقابل مراعاة حماية الثروة السمكية ووضع حد لمضاربة الانتاج المحلي عبر قانون صيد يراعي لقمة عيش الصياد وما تبقى من ثروة سمكية في مياهنا الاقليمية.
وبمقابل وضع قانون للصيد البحري عصري ينظم اصول الصيد وطرقه، يرى شواح ضرورة وضع روزنامة للصيد وانواعه وأنواع المعدات المستعملة، على ان تكون هذه الروزنامة بما خص معدات الصيد متحرّكة الى حين التخلّص نهائياً من وسائل الصيد الممنوعة بالموازاة مع تحسين وضع الصياد... على ان يقابل ذلك، روزنامة سمكية أسوة بالروزنامة الزراعية، يتحدد فيها انواع السمك الممكن اصطيادها في مواسمها وعدم السماح باستيراد هذه الأنواع من الخارج حفاظاً على الانتاج المحلي... على ان يترافق ذلك بإعفاء - وفي مرحلة اولى - الصيادين من بعض الرسوم، بمقابل تطوير قطاع الصيد عبر تحسين وضع مرافئ الصيد ومساعدة الصياد لامتلاك زوارق اكبر من الحالية، وذلك عبر إنشاء مصرف تسليم خاص للصياد وتتأمن له مصادر تمويل خاصة.
ان هذا القانون مع إنشاء مصرف تسليف، يعتبرهما شواح، السبيلين اللذين يسمحان للصياد في غضون عشرة أعوام على أبعد تقدير، الانتقال الى مرحلة الاكتفاء الذاتي في انتاج السمك المحلي، فنتوقف عندها عن الاستيراد أقله السمك الطازج مع استمرار استيراد المثلج لعدم اضراره بمواسم لبنان، ذلك ان ما يضر بالموسم هو السمك الطازج الذي يأتي من اسكندرون، ومصر وحالياً من موريتانيا والسنغال. ويقول في هذا الموضوع: لا نلوم من يستورد بل نعتب لعدم وجود روزنامة. فحين تكون لدينا روزنامة سمكية يتغيّر الوضع، بمعنى يحظر فيه استيراد نوع ما نصطاده نفسه.
هذا ويتوقف شواح عند عدد العائلات التي تعتاش من الصيد البحري في كل لبنان اذ يقول: يقدر الذين يعتاشون من الصيد البحري بـ 50 الف شخص بين صياد وعائلته وتجار قطع غيار وميكانيكيون ونجارون بحريون، الى محطات بنزين ومطاعم تقدم ثمار البحر وتجار السمك الجملة والمفرق... هناك حلقة متكاملة، لذلك يجب حماية لقمة عيشهم. ويضيف: لا نريد ان نكون عبئاً على الدولة وعلى كاهل من يدفع ضريبة لها، كما ولسنا شحاذين وبحاجة الى الدولة التي تشحذ بدورها من العالم، بل نريد منها بعض الاهتمام الأبوي والأخوي وان تتطلع السيدة (عفيفة) الى المعتّرين الذين لا نعرف متى سينزلون الى الشارع ويسدون الطرقات ذلك ان الجائع في آخر المطاف، حين يرى اولاده جياعا سيتحرّك. هذا دون الحديث عن الوعد منذ 30 عاماً بتأمين الضمان للصياد.
وبمقابل هذه المطالب المحقّة للصياد، يلفت شواح الى ان المساعدة التي تلقاها الصيادون جاءت من برنامج الأمم المتحدة
UNDP التي قدّمت مساعدات تقنية قوامها شباك وخيطان وصنانير، وهي اليوم في صدد التحضير لتوزيع عينة جديدة من المساعدات، بانتظار وصول منحة عبر البرنامج مقدمة من كندا بقيمة مليون دولار للصيادين، وهي نتيجة جولة ميدانية كلف بها شواح من قبل برنامج الأمم المتحدة لإجراء كشف ميداني على جميع الأضرار الناتجة عن الاعتداء الاسرائيلي على المرافئ والشواطئ والتلوث. وعليه، فإن هذه المنحة ستوزّع على كل المرافئ والصيادين. بمقابل توزيع مؤسسة الإسكان التعاوني مساعدات غذائية وحرامات ومواد تنظيف، وحالياً توزع مساعدة جديدة قوامها شباك وخيطان وصنانير للتعويض عن بعض المعدات التي خسرها الصياد جراء نتائج الحرب والنفايات.
واذ شكر شواح السيدة منى همام ومؤسسة الإسكان العقاري للمساعدات القيمة والنشاط الذي يقومون به، ونوه بدور مدير عام النقل عبد الحفيظ القيسي دائماً الى جانب مطالب الصيادين، تمنى في نهاية كلامه ان يبقى قطاع الصيد للبنانيين وليس للأجانب بما فيهم الأميركي وليس فقط السوري والمصري المرحب بهم كمواطنين وليس كعاملين في البحر، وذلك على خلفية ما يروّج ان ثمة مشروعا يحضر لإعطاء تذكرة صيد بحري للأجانب يقول: سنعترض على هذا الأمر بشدّة. لا نريد ان يعمل اجنبي بالبحر، ذلك انه لا يكفينا نحن فكيف اذا تلوث البحر ايضاً باليد العاملة الأجنبية? عندها العوض بسلامتكم. لكن الأكيد ستحصل ثورة وستكون لنا زيارة قريبة لأحد الوزراء للاعتراض.
هذا، بالنسبة الى وضع الصيادين في كل لبنان بصورة عامة، وبيروت وضواحيها بصورة خاصة، فماذا بشأن وضع صيادي الشمال?
صيادو الشمال
وضع الصيادين سيئ جداً ولا يحسدون ابداً على ما يعانونه في حياتهم اليومية... هكذا اختصر نقيب صيادي الشمال الواقع المأسوي لـ 2870 صيادا ينطلقون يومياً من المرافئ الشمالية باتجاه عرض البحر على متن 900 زورق بحثاً عن لقمة عيش بالكاد تسد رمق الجوع. الحديث عن وضع الصيادين راهناً، استدعى النقيب دقناس العودة الى تداعيات حرب تموز 2006 وتأثيرها السلبي على الصيادين، اذ قال: وكأنه لم يكن يكفينا ما نعانيه من مشاكل وصعوبات في المهنة، جاءت حرب تموز لتضيف الينا الكثير من المشاكل التي فاقمت في تأزم وضع الصياد. فالى ما عرفنا من حصار بحري، انتهت الحرب بدعاية مغرضة، ومن دون وجه حق، مفادها ان السمك ملوث وهذه دعاية روّجت حتى من دون العودة الى المختبرات، حيث لاحقاً تبين انه ليس هناك من تلوث اصاب ثروتنا السمكية.
هذه الدعاية، يقول دقناس، للأسف اثرت سلباً على الصيادين وشكلت ضربة قاسية لهم، وما كدنا نلتقط انفاسنا للانطلاق نحو موسم جديد من الصيد البحري، حتى فوجئنا مجدداً بفرض حصار بحري من قبل الدولة اللبنانية، ما دفع بالصيادين الى الخروج الى البحر وفق محاذير وتضييق الخناق علينا. هذا الحصار - لدواع امنية - حدّ من تحركنا في المياه وتالياً الانتقال بحرية الى الأماكن الأمثل للصيد، وتحديداً الى جون عكار الموقع الأفضل للصيد.
الى المشاكل الكثيرة التي يعانيها الصياد الشمالي في مهنته هذه، اضيفت مشكلة جديدة لم تكن بالحسبان، ألا وهي الحصار المفروض في محيط مخيم عين البارد القريب من الشاطئ. حصار فرض على الصياد منعهم من الاقتراب من شاطئ دير عمار حتى العبدة وبعمق بحري يراوح بين 7 و10 اميال يقول النقيب سالم دقناس ويضيف: الى هذا الحصار، فرضت قوات اليونيفيل بدورها حصاراً بحرياً بحيث بتنا وكأننا داخل فكي كماشة، اذ ممنوع علينا الخروج الى عرض البحر اكثر من ستة أميال. وبالمقابل، فإن جون عكار مخطوف بالكامل.
في الظروف العادية، كان صيادو الشمال يعملون في نطاق بحري يصل عمقه ومداه الى 12 ميلاً بحرياً، كما وكان المدى البحري مفتوحاً امامهم للصيد ونيل رزقهم، لكن اليوم لدواعٍ بعضها أمني، وبعضها الآخر لحماية مصبات النفط والمحميات البحرية الطبيعية، ضاقت فسحة أمكنة الصيد ما حوّل وضع الصيادين الى المأساوي جداً، فيما هو اليوم في قلب الموسم.
إزاء ما يتعرض له الصياد الشمالي من سلسلة مضايقات ومحظورات، يقول النقيب دقناس: للآن نحن صابرون، ولكننا ايضاً وصلنا الى الخط الأحمر وعلى مسافة قاب قوسين من المجاعة، ولا نعرف ماذا سيحل بنا اذا ما استمر الوضع عليه، وكأنه مكتوب على الصياد البحري ان يدفع فاتورة الحرب كما السلم، ذلك اننا في زمن السلم نعاني من مشاكل كثيرة، في مقدّمتها اغراق الأسواق بالأسماك المستوردة التي تضرب انتاجنا واليوم الى استمرار الاستيراد، مضروبون بالحصار الأمني للمياه الاقليمية.
ضرر فوق ضرر وخسارة فوق خسارة والنتيجة: الصياد يغرق اكثر فأكثر في العوز والفقر، يقول دقناس ويعلّق: يقولون ان البحر يغرق، لكن الحقيقة ما نعانيه من مشاكل متراكمة هي التي تغرق - اننا في الأيام العادية نعاني من المضاربة الأجنبية لانتاجنا فيما الدولة لا تحمي انتاجها المحلي. وإزاء ما نغرق به جراء التضييق المفروض على مزاولة مهنتنا، نعاني من ارتفاع في كلفة الانتاج بفعل ارتفاع اسعار المحروقات، بحيث ان كل طلعة صيد تكلف الصياد مبلغ 150 الف ليرة لبنانية، بين محروقات واستهلاك معدات ليعود بصيد لا يمكنه تصريفه إلا بأسعار زهيدة، نتيجة إغراق البلد بأسماك مستوردة.
ان صيادي الشمال (منقوعون) بالمياه المالحة ولا يعرفون مهنة اخرى سوى صيد السمك بعدما اندثرت المهن الحرفية التي كانوا يعملون فيها، يقول دقناس. ويصف حالتهم اليوم: لا يكفي ان البحر امامنا ولا نستطيع العودة بصيد ثمين، فإن الصياد لا تتأمن له ضمانات صحية واجتماعية، اننا متروكون لله وإذا ما مرض احد منا نتسكّع على أبواب النواب والوزراء، لقد بتنا تحت خط الجوع مقولة (العدو وراءكم والبحر امامكم).
والحل? يجيب النقيب دقناس: على المسؤولين ان يتطلعوا الينا، بعد حرب تموز، قدّمت الدولة مشكورة مساعدات مادية وعينية، وبرغم شحاحتها قبلناها فيما كنا نأمل بالحصول على مساعدات جدية. واذا ما استمر الحصار بدافع امني عليها مساعدتنا، أقله بتقديم بدل يومي (عشرة آلاف ليرة لبنانية) كتعويض على الصياد لتأمين استمرار حياته.
النقيب دقناس الذي اوضح ان النقابة سبق ورفعت كتاباً الى وزيري الدفاع والداخلية يعرضون فيه مأساتهم جرّاء الحصار الأمني المفروض على المياه الاقليمية اللبنانية، تسأل ما اذا كانت الدولة تريد الحكم بالإعدام عليهم، وخاتماً كلامه بالإشارة الى ضرورة إعادة النظر بأوضاعهم من خلال فك بعض التدابير الأمنية البحرية التي تسمح لهم بالامتداد للصيد، بمقابل سعي الدولة الى وضع قانون للصيد يحظّر فيه استعمال الممنوعات كالديناميت التي تضر بالبيئة البحرية، ووقف حد لرمي النفايات الصلبة في البحر.
صيادو الجنوب
ماذا على صعيد صيادي الجنوب?
- نقيب الصيادين في الجنوب علي بدران، سارع الى القول: موسم الصيد عاطل جداً، ليس لأن الصيد غير وفير، بل لأن قوات (اليونيفيل) تضيق الخناق على تنقلات الصيادين البحرية، فبعدما كنا نتحرك على عمق 800 متر للصيد، مسموح لنا اليوم فقط بـ 80 متراً، لذا بالكاد يؤمن الصياد لقمة عيشه.
الشاطئ الجنوبي هو الوحيد الذي لم تصله الرقعة النفطية وبالتالي نجا من التلوث، غير ان الحصار الأمني المفروض على المياه الاقليمية اللبنانية حصر رقعة الصيد البحري، وتالياً إغراق الصياد في صعوبات حياتية. وفي هذا المجال، يوضح النقيب علي بدران: قبل هذا الوضع المستجد، كان الصياد الجنوبي يتّكل على صيد واحد يؤمن له اقساط أولاده المدرسية وما يترتب عليه من مشتريات، البحر وعمقه كريم لكن الحصار حوّله الى بخيل.
حالياً، يقول بدران، وحتى في المدى المسموح فيه لنا بالصيد لا نوفق كثيراً، ذلك ان أصوات الغواصات يزعج السمك ويهرّبه، كما وان المعدات البحرية الضخمة، تؤدي الى تناقص السمك. وعليه، فانه لدينا ايضاً تعليمات بعدم الاقتراب منها...
الى هذه المشاكل الأمنية التي تحد من تحركنا في البحر، يعاني الصياد البحري من مشاكل اخرى هي مزمنة، تتقدمها مشكلة (السمك المستورد) الذي ينافس الانتاج المحلي. يقول بدران: يستورد لبنان يومياً بخمسماية الف دولار سمك من تركيا ومصر وقبرص وبعض دول افريقيا، وهذا الأمر ادى الى تدني سعر الانتاج المحلي، وبالتالي كانت له تداعياته على مستوى معيشة الصياد الجنوبي بشكل خاص واللبناني بشكل عام.
وبالمقابل، توقف النقيب علي بدران عند المساعدات التي تلقاها الصيادون بعد الحرب من الولايات المتحدة الاميركية، اذ بلغت 400 دولار اميركي لكل صياد من ضمنها توزيع شباك للصيد من قبل الإسكان التعاوني، الى مساعدات من قبل الدولة بمبلغ 400 دولار ايضاً سددت على دفعتين بمقابل دعم مجلس الجنوب للصياد الجنوبي لتجاوز محنته بعد الحرب.
واذ ناشد بدران الدولة دعم الصياد اللبناني، تساءل عن الأسباب التي حالت دون تحقيق النائب السابق أحمد عجمي إقامة مزارع لتربية الأسماك بعد حصوله على ترخيص وفق مرسوم جمهوري. وعلق: كان من شأن هذا المشروع أن يشغل كل الصيادين ويحمي بحرنا، ويسمح لنا بتصدير السمك، فيسمح لنا الاستفادة من ثلاثة امور: إنخفاض سعر السمك، حماية الثروة السمكية في بحرنا وادخال أموال الى الدولة، لكن للأسف، والكلام للنقيب بدران، بعض السياسيين اعترض على هذا المشروع الحيوي الذي كان فرصة اقتصادية واجتماعية كبيرة ليحظى بها الصياد البحري.
شيء آخر كان لا بد من ان يعزز وضع الصياد حالياً لكنه لم يحصل، هو ان دولة مصر - والكلام لبدران - ابدت استعدادها لتدريب فريق من الصيادين على تربية السمك في المزارع لفترة ثلاثة اشهر، غير ان وضعنا المادي لم يسمح لنا بتأمين سعر بطاقة السفر، ولم نجد من يرعى ثمن بطاقاتنا. وبانتظار من يدعمنا في تغطية كلفة السفر، نأمل من الدولة التي سبق وناشدناها عبر تقرير رفعناه اليها عام 2000، السماح بإنشاء مزارع لتربية السمك، ذلك لأن بحرنا صغير وأمسى ممراً للسمك وليس للاستيطان فيه، ما يعني ان عدد الصيادين يفوق عدد السمك الأمر الذي يحتّم انشاء هذه المزارع لمساعدة الصيادين.
صيادو الجنوب الـ 3625، غالبهم يصطاد على متن 650 زورقاً، ويخرجون من مرافئ صيد بحاجة الى صيانة وبعض معدات الصيد، فيما صيدهم يشمل وفق المواسم اللقس على أنواعه، فريديه، سرغوس، أم واسطة، الغبص، السردين، الكركند... وغيرها من الأسماك التي تشق طريقها الى موائد مطاعم بيروت المتخصصة لثمار البحر، بعد بيعها بالجملة في مسمكة في منطقة الخيزران.
هذا باختصار حال وواقع صياد السمك اللبناني. فهل من مبادرة وخطّة حكومية تنهض في هذا القطاع المنتج?